المقريزي

384

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

والسياسة نوعان : سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر ، فهي من الأحكام الشرعية ، علمها من علمها ، وجهلها من جهلها . وقد صنف الناس في السياسة الشرعية كتبا متعدّدة . والنوع الآخر سياسة ظالمة ، فالشريعة تحرّمها وليس ما يقوله أهل زماننا في شيء من هذا ، وإنما هي كلمة مغليّة ، أصلها ياسه ، فحرّفها أهل مصر وزادوا بأوّلها سينا فقالوا سياسة ، وأدخلوا عليها الألف واللام فظنّ من لا علم عنده أنها كلمة عربية ، وما الأمر فيها إلّا ما قلت لك . واسمع الآن كيف نشأت هذه الكلمة حتى انتشرت بمصر والشام . وذلك أن جنكز خان القائم بدولة التتر في بلاد الشرق ، لما غلب الملك أونك خان وصارت له دولة ، قرّر قواعد وعقوبات أثبتها في كاتب ، سمّاه ياسه ، ومن الناس من يسميه يسق ، والأصل في اسمه ياسه ، ولما تمم وضعه كتب ذلك نقشا في صفائح الفولاذ ، وجعله شريعة لقومه فالتموه بعده حتى قطع اللّه دابرهم . وكان جنكز خان لا يتدين بشيء من أديان أهل الأرض ، كما تعرف هذا إن كنت أشرفت على أخباره ، فصار الياسه حكما بتّا بقي في أعقابه لا يخرجون عن شيء من حكمه . وأخبرني العبد الصالح الداعي إلى اللّه تعالى ، أبو هاشم أحمد بن البرهان ، رحمه اللّه : أنه رأى نسخة من الياسة بخزانة المدرسة المستنصرية ببغداد ، ومن جملة ما شرعه جنكزخان في الياسه أن : من زنى قتل ، ولم يفرق بين المحصن وغير المحصن . ومن لاط قتل ، ومن تعمّد الكذب أو سحر أو تجسس على أحد ، أو دخل بين اثنين وهما يتخاصمان وأعان أحدهما على الآخر قتل . ومن بال في الماء أو على الرماد قتل . ومن أعطي بضاعة فخسر فيها فإنه يقتل بعد الثالثة . ومن أطعم أسير قوم أو كساه بغير إذنهم قتل ومن وجد عبدا هاربا أو أسيرا قد هرب ولم يردّه على من كان في يده قتل . وأنّ الحيوان تكتّف قوائمه ويشقّ بطنه ويمرس قلبه إلى أن يموت ثم يؤكل لحمه . وأنّ من ذبح حيوانا كذبيحة المسلمين ذبح . ومن وقع حمله أو قوسه أو شيء من متاعه وهو يكرّ أو يفرّ في حالة القتال وكان وراءه أحد ، فإنه ينزل ويناول صاحبه ما سقط منه ، فإن لم ينزل ولم يناوله قتل . وشرط أن لا يكون على أحد من ولد عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه مؤنة ولا كلفة ، وأن لا يكون على أحد من الفقراء ولا القرّاء ولا الفقهاء ولا الأطباء ولا من عداهم من أرباب العلوم وأصحاب العبادة والزهد والمؤذنين ومغسلي الأموات كلفة ولا مؤنة ، وشرط تعظيم جميع الملل من غير تعصب لملة على أخرى ، وجعل ذلك كله قربة إلى اللّه تعالى ، وألزم قومه أن لا يأكل أحد من يد أحد حتى يأكل المناول منه أوّلا ، ولو أنه أمير ، ومن يناوله أسير . وألزمهم أن لا يتخصص أحد بأكل شيء وغيره يراه ، بل يشركه معه في أكله . وألزمهم أن لا يتميز أحد منهم بالشبع على أصحابه ، ولا يتخطى أحد نارا ولا مائدة ولا الطبق الذي يؤكل عليه ، وأنّ